ابن أبي الحديد

37

شرح نهج البلاغة

وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لحي ! قلت : نعم ، وقد أخبرنا أنه شرع لك إثنا عشر سنانا ، فقال : طعنت اثنتي عشرة طعنة كلها أجافتني ، أبلغ قومك الأنصار السلام وقل لهم : الله الله وما عاهدتم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ! والله مالكم عذر عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف ، فلم أرم ( 1 ) من عنده حتى مات ، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فرأيته استقبل القبلة رافعا يديه يقول : " اللهم الق سعد بن الربيع وأنت عنه راض " . قال الواقدي : وخرجت السمداء بنت قيس ، إحدى نساء بني دينار ، وقد أصيب ابناها مع النبي صلى الله عليه وسلم بأحد : النعمان بن عبد عمر ، وسليم بن الحارث ، فلما نعيا لها قالت : فما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قالوا : بخير ، هو بحمد الله صالح على ما تحبين ، فقالت : أرونيه أنظر إليه ، فأشاروا لها إليه ، فقالت كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل ( 2 ) ! وخرجت تسوق بابنيها بعيرا ، [ تردهما إلى المدينة ] ( 3 ) ، فلقيتها عائشة ، فقالت ما وراءك ؟ فأخبرتها ( 4 ) ، قالت : فمن هؤلاء معك ؟ قالت ابناي ، حل حل ( 5 ) تحملهما إلى القبر . قال الواقدي : وكان حمزة بن عبد المطلب أول من جئ به إلى النبي صلى الله عليه وآله بعد انصراف قريش - أو كان من أولهم - فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم قال : رأيت الملائكة تغسله ، - قالوا : لان حمزة كان جنبا ذلك اليوم - ولم يغسل رسول الله صلى الله عليه وآله الشهداء يومئذ ، وقال : لفوهم بدمائهم وجراحهم فإنه ليس أحد يجرح في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة لون جرحه لون الدم ، وريحه ريح المسك ، ثم

--> ( 1 ) لم أرم : لم أبرح . ( 2 ) جلل ، أي هينة . ( 3 ) من الواقدي . ( 4 ) في الواقدي : قالت : أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فبخير لم يمت ، واتخذ الله من المؤمنين شهداء : ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ) ( 5 ) حل : زجر للبعير .